محمد متولي الشعراوي
4330
تفسير الشعراوى
في المسجد ، أي الانقطاع عن حركة الحياة خارج المسجد إلى عبادة اللّه في بيته . يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ( من الآية 138 سورة الأعراف ) وهذا القول من قوم موسى هو قمة الغباء ، كأن الإله بالنسبة لهم مجهول على رغم أنه قد أسبغ عليهم من النعم الكثير ، وهذه أول خيبة ، وهم يريدون أن يكون الإله مجعولا برغم أن الإله بكمالاته وطلاقة قدرته جاعل ، ولكن عقليتهم لم تستوعب النعم الغامرة وقلوبهم مغلقة لم يعمها الإيمان . وقالوا : اجعل لنا إلها ! وأرادوا أن ينحت لهم الأصنام ، وقد يقول واحد منهم : رأس الإله كبيرة قليلا صغّرها بعض الشئ ، وأنفه غير مستقيمة فلنعدلها بالإزميل ، وقولهم : اجْعَلْ لَنا إِلهاً . وهذا ما يجعلنا نفهم أن عقولهم لم تستوعب حقيقة الإيمان ؛ لذلك يقول لهم موسى : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . ولم يقل لهم : « لا تعلمون » بل قال : « تجهلون » لأن هناك فارقا بين عدم العلم بالشئ ، وبين الجهل بالشئ ، فعدم العلم يعنى أن الذهن قد يكون خاليا من أي قضية ، أما « الجهل » فهو يعنى أن تعلم مناقضا للقضية ، إذن فهناك قضية يعتقدها الجاهل ولكنها غير واقعية . أما الذي لا يعلم فليس في باله قضية ، وحين تأتى له القضية يقتنع بها ، ولا يحتاج ذلك إلى عملية عقلية واحدة مثل الأمى مثلا الذي لا يعلم ، لأن ذهنه خال من قضية ، أما الذي يعلم قضية مخالفة فهو يحتاج من الرسول إلى عمليتين عقليتين : الأولى أن يخرج ما في نفسه من قضية الجهل ، والثانية أن يعطى له القضية الجديدة ، إن الذي يرهق العالم هم الجهلاء لا الأميون ، لأن الأمى حين تعطى له المعلومة فليس عنده ما يناقضها . لكن الجاهل عنده ما يناقضها ويخالف الواقع . ويقول سبحانه بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 139 ] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 139 )